المقريزي

110

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

فتحت العرب مصر عرف عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ما يلقي أهلها من الغلاء عند وقوف النيل عن حدّه في مقياس لهم فضلا عن تقاصره ، وإن فرط الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار ، وأن الاحتكار يدعو إلى تصاعد الأسعار بغير قحط ، فكتب عمر إلى عمرو يسأله عن شرح الحال ، فأجابه : إني وجدت ما تروي به مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعا ، والحدّ الذي يروى منه سائرها حتى يفضل عن حاجتهم ، ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعا ، والنهايتان المخوفتان في الزيادة والنقصان وهما الظمأ والاستئجار اثنا عشر ذراعا في النقصان وثمانية عشر ذراعا في الزيادة هذا ، والبلد في ذلك الوقت محفور الأنهار معقود الجسور عندما تسلموه من القبط ، وخميرة العمارة فيه . فاستشار أمير المؤمنين عمر رضي اللّه عنه ، عليا رضي اللّه عنه في ذلك فأمره أن يكتب إليه أن يبني مقياسا وأن ينقص ذراعين من اثني عشر ذراعا ، وأن يقرّ ما بعدها على الأصل ، وأن ينقص من كل ذراع بعد الستة عشر ذراعا إصبعين ، ففعل ذلك ، وبناه بحلوان فاجتمع له بذلك كل ما أراد من حل الإرجاف ، وزوال ما منه كان يخاف بأن جعل الاثني عشر ذراعا أربع عشرة لأن كل ذراع أربع وعشرون إصبعا ، فجعلها ثمانيا وعشرين من أوّلها إلى الاثني عشر ذراعا يكون مبلغ الزيادة على الاثني عشر ثمانيا وأربعين إصبعا وهي الذراعان ، وجعل الأربع عشرة ست عشرة والست عشرة ثماني عشرة والثماني عشرة عشرين . قال القضاعيّ : وفي هذا الحساب نظر في وقتنا لزيادة فساد الأنهار وانتقاض الأحوال وشاهد ذلك : أن المقاييس القديمة الصعيدية من أوّلها إلى آخرها أربع وعشرون إصبعا ، كل ذراع ، والمقاييس الإسلامية على ما ذكر منها المقياس الذي بناه أسامة بن زيد التنوخي بالجزيرة ، وهو الذي هدمه الماء وبنى المأمون آخر بأسفل الأرض بالبروذات وبنى المتوكل آخر بالجزيرة ، وهو الذي يقاس عليه الماء الآن وقد تقدّم ذكره . قال ابن عفير « 1 » عن القبط المتقدّمين إذا كان الماء في اثني عشر يوما من مسرى اثنتي عشرة ذراعا فهي سنة ماء . وإلا فالماء ناقص ، وإذا تمّ ست عشرة ذراعا قبل النوروز فالماء يتم فاعلم ذلك . وقال أبو الصلت : وأما النيل وينبوعه فهو من وراء خط الاستواء من جبل هناك يعرف بجبل القمر ، فإنه يبتدئ في التزايد في شهر أبيب ، والمصريون يقولون : إذا دخل أبيب كان للماء دبيب ، وعند ابتدائه في التزايد يتغير جميع كيفياته ، ويفسد . والسبب في ذلك مروره بنقائع مياه آجنة يخالطها فيجتلبها معه إلى غير ذلك مما يحتمله فإذا بلغ الماء خمسة عشر ذراعا وزاد من السادس عشر إصبعا واحدا كسر الخليج ، ولكسره يوم معدود ، ومقام مشهود ، ومجتمع خاص يحضره العام والخاص ، فإذا كسر فتحت الترع وهي فوهات

--> ( 1 ) ابن عفير : هو سعيد بن كثير وهو راوية ومؤرخ أخذ عنه محمد بن يوسف الكندي . توفي سنة 226 ه . صبح الأعشى 2 / 66 .